ابن عطية الأندلسي
492
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
لما مضت الضمائر في الكفر والقتل والعصيان والاعتداء عامة في جميع أهل الكتاب ، عقب ذلك بتخصيص الذين هم على خير وإيمان ، وذلك أن أهل الكتاب لم يزل فيهم من هو على استقامة ، فمنهم من مات قبل أن يدرك الشرائع فذلك من الصالحين ، ومنهم من أدرك الإسلام فدخل فيه . قال القاضي أبو محمد : ويعترض هذا النظر أن جميع اليهود على عوج من وقت عيسى ، وتجيء الآية إشارة إلى من أسلم فقط ، أو يكون اليهود في معنى الأمة القائمة إلى وقت عيسى ، ثم ينتقل الحكم في النصارى ، ولفظ أَهْلِ الْكِتابِ يعم الجميع ، والضمير في لَيْسُوا لمن تقدم ذكره في قوله مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ [ آل عمران : 110 ] وما قال أبو عبيدة من أن الآية نظيرة قول العرب أكلوني البراغيث خطأ مردود ، وكذلك أيضا ما حكي عن الفراء أن أُمَّةٌ مرتفعة ب سَواءً على أنها فاعلة كأنه قال : لا تستوي أمة كذا وإن في آخر الكلام محذوفا معادلا تقديره وأمة كافرة ، فأغنى القسم الأول عن ذكرها ودل عليه كما قال أبو ذؤيب : عصيت إليها القلب إنّي لأمرها * سميع فما أدري أرشد طلابها ؟ المعنى أم غيّ ، فاقتصر لدلالة ما ذكر عليه . قال القاضي أبو محمد : وإنما الوجه أن الضمير في لَيْسُوا يراد به من تقدم ذكره ، و سَواءً خبر ليس ، و مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مجرور فيه خبر مقدم ، و أُمَّةٌ رفع بالابتداء قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : لما أسلم عبد اللّه بن سلام وثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد ومن أسلم من اليهود ، معهم ، قال الكفار من أحبار اليهود ما آمن بمحمد إلا شرارنا ولو كانوا خيارا ما تركوا دين آبائهم ، فأنزل اللّه تعالى في ذلك لَيْسُوا سَواءً الآية ، وقال مثله قتادة وابن جريج . قال القاضي أبو محمد : وهو أصح التأويلات ، وقال عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه : معنى الآية : ليس اليهود وأمة محمد سواء ، وقاله السدي . قال القاضي أبو محمد : فمن حيث تقدم ذكر هذه الأمة في قوله كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [ آل عمران : 110 ] وذكر أيضا اليهود قال اللّه لنبيه لَيْسُوا سَواءً و الْكِتابِ على هذا جنس كتب اللّه وليس بالمعهود من التوراة والإنجيل فقط ، والمعنى : مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وهم أهل القرآن أمة قائمة ، واختلف عبارة المفسرين في قوله قائِمَةٌ فقال مجاهد : معناه عادلة ، وقال قتادة والربيع وابن عباس : معناه قائمة على كتاب اللّه وحدوده مهتدية ، وقال السدي : القائمة القانتة المطيعة . قال القاضي أبو محمد : وهذا كله يرجع إلى معنى واحد من الاعتدال على أمر اللّه ، ومنه قيل للدنانير أو الدراهم الوازنة قائمة وهذه الآية تحتمل هذا المعنى وأن لا تنظر اللفظة إلى هيئة الأشخاص وقت تلاوة آيات اللّه ، ويحتمل أن يراد ب قائِمَةٌ وصف حال التالين في آناءَ اللَّيْلِ ، ومن كانت هذه حاله فلا محالة أنه معتدل على أمر اللّه ، وهذه الآية في هذين الاحتمالين مثل ما تقدم في قوله إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً